البطاقة الائتمانية الأخيرة لحكم العسكر في موريتانيا / د.يربان الخراشي

سبت, 12/10/2019 - 10:01

يوجد العديد من أنواع  بطاقات الائتمان المختلفة لدى المصارف العالمية، وهي وسيلة مريحة  للتسوق وغيره تسخدم لدفع سعر السلع والخدمات.  لكن البطاقات التي  نتحدث عنها اليوم ليست بطاقات للشراء والبيع،  ولا تصدرها البنوك بل هي نوع آخر من  بطاقات الائتمان تصدرها المؤسسة الحاكمة  بدل البنوك، و تقرض المؤسسة فترة زمنية بدل المال، إذ توفرلها ظاهريا الغطاء الشرعي للاستمرار في الحكم و إدارة الشأن العام، وباطنيا تمنحها شيك على بياض للتعامل مع مقدرات البلد لفترة زمنية محددة، و منذ استقلال بلادنا حتى الآن استخدمت المؤسسة العسكرية بطاقتي ائتمان، و تستعد الآن لاستخدام البطاقة الثالثة.

(1)

البطاقة الأولى

صبيحة 10 من يوليو 1978 ومع صدور البيان رقم 1 تم إصدار البطاقة الائتمانية للإنقاذ الوطني التي منحت المؤسسة العسكرية الغطاء الشرعي لمرحلة مهمة من تاريخ بلادنا  كان يجب استغلالها في إعادة ترتيب الأمور، و السعي إلى بناء مؤسسات الدولة شبه المنهارة بسبب حرب الأشقاء المفروضة بواقع أجندة إقليمية ودولية. لكن البطاقة الأولى المصنعة محليا، وبعد فترة قصيرة من إصدارها تحولت من بطاقة للإنقاذ الوطني إلى بطاقة للإنقاذ الذاتي للمؤسسة العسكرية نفسها في عملية معقدة تميزت بسلسلة من الانقلابات عن طريق الإنسلاخ من نظام لآخر في شكل يشبه عملية تجديد البطاقة البنكية المنتهية الصلاحية  باستبدالها بأخرى جديدة تحتفظ بنفس معلومات البطاقة القديمة على الشريط مغناطيسي أو على الشريحة المدمجة، وهو ما يعني أن البطاقة الجديدة في ظاهرها هي نسخة طبق الأصل من القديمة، الفرق فقط في تاريخ الصلاحية.

(2)

البطاقة الثانية

بطاقة ائتمان الديمقراطية هي البطاقة الثانية التي منحت المؤسسة العسكرية  فترة طويلة جدا حوالي ثلاثة عقود، وكانت فرصة ثمينة لتطبيق مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد لكن للأسف الشديد يبدوا أن البطاقة المصنعة خارجيا كان استخدامها سيئا إلى درجة أصبحت فيها المفاهيم مختلطة جدا، فلم نعد قادرين على التمييز بين الديمقراطي، و اللاديمقراطي، بين  فصل السلطات و دمجها وتركيزها،  بين الأغلبية و الأقلية،  بين المساواة و المحاباة أمام القانون.

لقد  اختلط الحابل بالنابل، ولم تعد هناك حدود واضحة  بين السياسي والحقوقي، بين الطبيب و القاتل المأجور، بين المدرسة والشارع،  بين التاجر والمهرب،  بين  رجل الأمن و اللص،  بين الطريق المعبد والطريق الترابي،  بين الدواء والسم، بين العالم والدجال. البطاقة الائتمانية الديمقراطية تم استخدامها كثيرا إلى درجة أن قارئ البطاقات لم يعد يميز بين بطاقتي المحمدين.

(3)

البطاقة الثالثة

أما البطاقة الثالثة الجاري اصدارها فهي البطاقة الائتمانية التنموية، وهي بطاقة خاصة تختلف عن البطاقتين السابقتين بأنها بطاقة مسبقة الدفع، لا إمكانية للصرف خارج المبلغ، والمدة المشروطة والمحددة سلفا، ويبدو لي أن المؤسسة العسكرية تدرك جيدا حقيقة التحدي، ولذلك  ضربوا ثلاثا، وفي كل مرة كان  القدح  يخرج على الرئيس الحالي، الذي خصص برنامجه الانتخابي للتنمية الشاملة،  و اختار حكومة كفاءات لتنفيذه، وعليه قد تكون هذه هي  البطاقة الائتمانية الأخيرة التي في حالة النجاح في استغلال المدة التي تمنحها قد تكسب المؤسسة العسكرية شرعية جديدة،  فليس هناك شرعية لنظام الحكم أعظم من تحقيق حلم أكثر من 90 % من الشعب الموريتاني في الحياة الكريمة.

إن  تحقيق نجاحات تنموية تنسي المواطن كل ويلات الحقب الماضية أضحى مطلباً وطنياً وشعبياً، و لطالما كانت التنمية، و النمو الاقتصادي، والرخاء والازدهار بلسما لجراح الأمم و علاجا لكل داء قد يصيبها، و تحول الإنقاذ الوطني إلى الإنقاذ الذاتي، و السكينة الديمقراطية  إلى أجواء فوضى عارمة ولد خيبة أمل كبيرة لدى غالبية الشعب الموريتاني،  مما يعني أن البطاقة الائتمانية للتنمية قد تكون آخر بطاقة يتم استغلالها لإضفاء المزيد من الشرعية على الحكام ذوي الخلفيات العسكرية . فهل سينجح الرئيس الحالي في إنقاذ الوطن، وإنقاذ المستقبل السياسي لرفقاء السلاح بالأمس أم أنه سيكون آخر رئيس ذو خلفية عسكرية يحكم بلادنا ؟

مساحة اعلانية

مساحة لاعلاناتكم