
رغم وفرة المشاريع والاستثمارات بمختلف مستوياتها وأحجامها، لا تزال مسألة تشغيل العمالة الوطنية تطرح إشكالًا حقيقيًا، في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة، وخاصة بين الشباب وخريجي المؤسسات والمعاهد التكوينية.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما نلاحظ أن بعض المشاريع والمؤسسات توفر رواتب جيدة وظروف عمل ميسرة، بل إن بعض اتفاقيات الاستثمار تتضمن التزامات واضحة باكتتاب عدد معتبر من العمال الوطنيين، ومع ذلك لا تجد هذه الالتزامات طريقها دائمًا إلى التنفيذ بالشكل المطلوب.
ومن بين الأسباب التي قد تفسر هذا الوضع، تخوف بعض المشغلين من الالتزامات القانونية والاجتماعية المترتبة على تشغيل العمال، خصوصًا ما يتعلق بحقوق العامل، وإنهاء عقود العمل، والتعويضات، والتصريح لدى المصالح المختصة. وهذا التخوف، بدل أن يؤدي إلى تحسين تنظيم علاقة العمل، قد يدفع بعض المؤسسات إلى اللجوء إلى التشغيل غير الرسمي، وهو ما يحرم العامل من حقوقه ويضع المؤسسة نفسها خارج الإطار المنظم.
نشر ثقافة قانون الشغل
أمام هذه الوضعية، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق حملة توعوية وطنية تشمل القطاعين العام والخاص، هدفها التعريف بقوانين ونظم الشغل، وتوضيح حقوق وواجبات كل من العامل وصاحب العمل، ومسؤوليات الأطراف المتعاقدة.
كما ينبغي تشجيع ودعم إنشاء مكاتب متخصصة في تسيير الموارد البشرية، تقدم للمؤسسات خدمات التأطير والاستشارة وإعداد العقود ومتابعة الوضعيات الإدارية والاجتماعية للعمال، بما يساعد المشغلين على احترام القانون دون أن تتحول الإجراءات القانونية إلى عائق أمام الاستثمار والتشغيل.
احترام التزامات المستثمرين
ومن الضروري كذلك أن تكون الالتزامات المتعلقة بالتشغيل الوطني الواردة في اتفاقيات الاستثمار محل متابعة فعلية من الجهات المختصة، مع إلزام المستثمرين بتنفيذ ما تعهدوا به من اكتتاب للعمالة الوطنية، وربط ذلك بآليات واضحة للمتابعة والتقييم والتصريح لدى المصالح الاجتماعية المختصة.
فالمستثمر الذي يستفيد من التسهيلات والحوافز الممنوحة له ينبغي، في المقابل، أن يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة للمواطنين.
التشغيل الرسمي حماية للعامل والمؤسسة
ولا ينبغي أن يقتصر تنظيم التشغيل على الشركات الكبرى فقط، بل يجب أن يشمل مختلف المؤسسات والأنشطة التي تعتمد على اليد العاملة، بما في ذلك مؤسسات الخدمات والتحويلات المالية والمؤسسات التعليمية الخاصة وغيرها، مع احترام التصنيفات المهنية والتصريح الرسمي بالعمال.
فالتشغيل الرسمي لا يحمي العامل وحده، وإنما يحمي المؤسسة أيضًا، لأنه يحدد بوضوح طبيعة العلاقة المهنية، والأجر، وساعات العمل، والإجازات، والضمانات الاجتماعية، وآليات إنهاء العلاقة المهنية وتسوية النزاعات.
أولوية لخريجي التكوين المهني
وفي هذا السياق، ينبغي إعطاء أولوية أكبر لخريجي مؤسسات ومعاهد التكوين المهني، باعتبارهم قوة عاملة مؤهلة يمكنها الاندماج سريعًا في سوق العمل.
كما يمكن تطوير شراكات بين المؤسسات الاقتصادية ومؤسسات التكوين، بحيث يتم تحديد احتياجات سوق العمل مسبقًا وتوجيه برامج التكوين نحو المهن المطلوبة فعليًا.
بين حماية العامل وتشجيع المستثمر
المطلوب في النهاية ليس وضع المستثمر في مواجهة العامل، ولا تحميل المؤسسة أعباء تعيق قدرتها على العمل، وإنما بناء توازن عادل بين حقوق العمال ومصالح المؤسسات.
فكلما كانت علاقة العمل واضحة ومنظمة وشفافة، تراجعت النزاعات، وتحسن الإنتاج، وتعززت الثقة بين العامل والمشغل، وأصبح الاستثمار أكثر استقرارًا.
إن استمرار التشغيل غير المنظم، في المقابل، قد يؤدي إلى اتساع البطالة، وتهميش الكفاءات الوطنية، وظهور ممارسات مهنية غير سليمة، بما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
لذلك، فإن مواجهة البطالة لا تكون فقط بإنشاء المشاريع، وإنما أيضًا بضمان وصول فرص العمل التي تخلقها هذه المشاريع إلى المواطنين، في إطار قانوني واضح يحفظ حق العامل، وحقوق المشغل، ويشجع الاستثمار، ويعزز السلم الاجتماعي.
الفتاش الاخباري

