
– ملاي امحمد ولد الصادق
– استاذ وكاتب صحفي
– يكتب:
يكثر الحديث في عصرنا عن الذكاء الاصطناعي حتى أصبح البعض يتعامل معه وكأنه عقل كامل قادر على الحلول محل الإنسان في كل المجالات بينما يرى آخرون أنه مجرد أداة تقنية محدودة
الحقيقة أن فهم هذه المسألة يبدأ أولا بفهم الكيفية التي يعمل بها الذكاء الاصطناعي نفسه لأن معرفة الآلية تكشف حدود القوة وحدود القصور في آن واحد
الذكاء الاصطناعي في جوهره نظام حاسوبي يعتمد على معالجة كميات هائلة من البيانات عبر خوارزميات رياضية معقدة
تقوم هذه الخوارزميات بتعلم الأنماط والعلاقات داخل البيانات من خلال ما يسمى التعلم الآلي وهو أسلوب يسمح للنظام بتحسين أدائه كلما حصل على بيانات أكثر
وتبدأ العملية عادة بتجميع كم كبير من المعلومات مثل النصوص أو الصور أو الأرقام ثم يتم تدريب النموذج الحاسوبي على هذه البيانات فيحاول اكتشاف القواعد التي تربط بينها
فعلى سبيل المثال إذا تم تدريب النظام على آلاف النصوص فإنه يتعلم أنماط اللغة وطريقة تركيب الجمل واستعمال الكلمات
ويعمل النظام بعد التدريب بطريقة تعتمد على الاحتمال فهو لا يفهم المعنى كما يفهمه الإنسان بل يتوقع النتيجة الأكثر ترجيحا بناء على ما تعلمه من البيانات السابقة فعندما يجيب عن سؤال أو يحلل نصا فإنه في الحقيقة يختار الإجابة التي تبدو أكثر توافقا مع الأنماط التي تعلمها
ولهذا السبب فإن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك وعيا ولا تجربة حياتية ولا إحساسا بالسياق الاجتماعي أو الأخلاقي إنه يعمل فقط وفق البيانات التي تدرب عليها والقواعد التي صممها المهندسون
ومن هنا يمكن فهم لماذا توجد مجالات يمكن أن تسند إلى الذكاء الاصطناعي بشكل شبه كامل
فهناك أعمال تعتمد أساسا على السرعة الحسابية وتحليل البيانات المتكررة وهذه مجالات تتفوق فيها الآلة على الإنسان بشكل واضح
من هذه المجالات تحليل البيانات الضخمة في الاقتصاد والعلوم حيث يمكن للنظام أن يعالج ملايين الأرقام في ثوان قليلة ويستخرج منها أنماطا يصعب على العقل البشري اكتشافها كما يستخدم الذكاء الاصطناعي في الترجمة الآلية ومعالجة الصور والتعرف على الأصوات وفي تشغيل الأنظمة الآلية في المصانع وفي تنظيم حركة الطيران وفي التنبؤ بالطقس وفي البحث داخل قواعد البيانات العلمية
وفي مثل هذه الأعمال يكون دور الإنسان غالبا في وضع الإطار العام للنظام ثم يعمل الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل نسبيا لأن المهمة قائمة على الحساب والتنظيم واكتشاف الأنماط
لكن في المقابل توجد مجالات لا يمكن أن تستغني عن إشراف العقل البشري والتجربة الإنسانية لأن هذه المجالات تعتمد على الحكم الأخلاقي والفهم العميق للسياق الاجتماعي والنفسي
التعليم مثال واضح على ذلك لأن المعلم لا يكتفي بنقل المعرفة بل يفهم شخصية المتعلم وظروفه ويقدر الفروق الفردية بين الطلاب ويختار الأسلوب المناسب لكل حالة وهي أمور يصعب تحويلها إلى خوارزمية دقيقة
وكذلك الطب رغم التقدم الكبير في استخدام الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض فإن القرار الطبي النهائي يحتاج إلى خبرة الطبيب وإلى تقدير الحالة الإنسانية للمريض لأن العلاج ليس معادلة رياضية فقط بل علاقة إنسانية أيضا
والأمر نفسه ينطبق على القضاء والسياسة والإدارة العامة لأن هذه المجالات تتطلب فهما للقيم والعدالة والمصلحة العامة وهي مفاهيم لا يمكن للآلة إدراكها بشكل كامل
يبقى السؤال المهم هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخطئ إذا اعتمد عليه بشكل كامل
الإجابة نعم يمكن أن يخطئ لعدة أسباب أولها أن النظام يتعلم من البيانات فإذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة فإنه سينتج نتائج منحازة أو غير دقيقة وثانيها أن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك فهما حقيقيا للعالم بل يعتمد على الاحتمال لذلك قد يقدم أحيانا إجابات تبدو مقنعة لكنها غير صحيحة وثالثها أن الأنظمة التقنية نفسها قد تتعرض لأخطاء برمجية أو أعطال تقنية
وإذا تم الاعتماد عليه بشكل نهائي دون رقابة بشرية فإن ذلك قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة مثل اتخاذ قرارات تعليمية أو طبية أو اقتصادية غير عادلة أو غير دقيقة وقد يؤدي أيضا إلى تراجع دور العقل النقدي لدى الإنسان إذا أصبح الناس يعتمدون على الآلة في التفكير بدلا من استخدامها كأداة مساعدة
لذلك فإن الرؤية المتوازنة لمستقبل الذكاء الاصطناعي لا تقوم على استبدال الإنسان بالآلة بل على بناء علاقة تكامل بينهما حيث تستفيد البشرية من قوة الحوسبة والسرعة التي تقدمها الآلة بينما يبقى الإنسان صاحب القرار النهائي بفضل خبرته وتجربته وإدراكه العميق للواقع الإنساني
فالذكاء الاصطناعي في النهاية أداة عظيمة القوة لكنه يظل أداة والفرق بين الأداة والعقل البشري هو الفرق بين الحساب والحكمة وبين المعالجة التقنية وفهم الحياة نفسها

