الاخبارالمواضيع الرئيسية

وزير سابق/ الإصلاحات الجريئة بين ضرورات البناء ومقاومة التغيير

في كل تجربة إصلاح حقيقية تمر بها الدول، يظهر صوتان متعارضان:
صوت يدعم التغيير ويؤمن بضرورته لبناء المستقبل، وصوت آخر يقاومه خوفًا على مصالح أو بدافع التشكيك. وما تشهده بلادنا اليوم من نقاش حاد حول الإصلاحات الاقتصادية والمالية ليس استثناءً من هذه القاعدة.
لقد أطلقت الحكومة، بقيادة معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي، وبتوجيه مباشر من فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، حزمة من الإصلاحات العميقة التي تستهدف تحديث الدولة وتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد والتهرب الضريبي، وإدخال التقنيات الحديثة في الإدارة والجمركة من أجل حماية الاقتصاد الوطني وضمان العدالة بين المواطنين.
هذه الإصلاحات لم تأتِ اعتباطًا، بل جاءت استجابة لحاجة وطنية ملحة تتمثل في بناء دولة عصرية قوية، قادرة على تمويل تنميتها بنفسها، وتوفير الخدمات الأساسية لمواطنيها. فالدولة التي لا تحارب التهرب الضريبي ولا تطور إدارتها المالية تظل عاجزة عن تحقيق التنمية المستدامة.
إن إدخال التقنيات الحديثة في مجالات الضرائب والجمركة ليس إجراءً معزولًا، بل هو جزء من رؤية شاملة تهدف إلى القضاء على الغش، وضمان المساواة بين جميع الفاعلين الاقتصاديين، بحيث يدفع كل فرد أو مؤسسة ما عليها من واجبات دون تمييز أو محاباة.
غير أن الإصلاح الحقيقي غالبًا ما يواجه مقاومة، خاصة من أولئك الذين اعتادوا على أوضاع قديمة وفوضى كانت تسمح للبعض بالتهرب من الواجبات أو تحقيق امتيازات غير مشروعة. ولذلك فإن الحملات التي تستهدف هذه الإصلاحات، أو تحاول شخصنتها في الوزير الأول، لا يمكن فصلها عن هذا السياق.
فمعالي الوزير الأول ليس إلا منفذًا لسياسات الدولة وتوجيهات رئيس الجمهورية، وبالتالي فإن استهدافه في الحقيقة هو استهداف لنهج الإصلاح الذي اختارته الدولة، ومحاولة لإضعاف المسار الذي يسعى إلى تحديث الإدارة وبناء اقتصاد أكثر عدالة وشفافية.
وفي المقابل، فإن من ينظر بموضوعية إلى الواقع يدرك حجم الجهود المبذولة في مختلف القطاعات. فبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية تتواصل، والبناء والتشييد يشهدان وتيرة متسارعة، من تشييد المدارس والجامعات والمعاهد، إلى توسعة المراكز الصحية والمستوصفات، وتعزيز شبكات المياه والكهرباء والطرق.
كما أن البرامج الاجتماعية مثل برنامج تآزر، وتعزيز منظومة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تمثلان دليلًا واضحًا على أن الإصلاح الاقتصادي ليس هدفه الجباية فقط، بل توجيه الموارد نحو خدمة المواطن وتحسين ظروفه المعيشية.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: لماذا تقوم الحكومة بهذه الإصلاحات؟
بل: كيف يمكن أن تبني دولة حديثة دون إصلاحات جريئة تعيد تنظيم الاقتصاد وتحارب الفوضى والفساد؟
إن بناء دولة عصرية قوية يتطلب شجاعة سياسية وإرادة إصلاحية، كما يتطلب أيضًا وعيًا وطنيًا يدرك أن التغيير قد يكون صعبًا في بدايته، لكنه ضروري لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
ولذلك فإن النقاش حول هذه الإصلاحات يجب أن يكون نقاشًا وطنيًا مسؤولًا، قائمًا على النقد البناء والاقتراح، لا على حملات التشكيك أو محاولات عرقلة مسار التحديث الذي تحتاجه البلاد.
فالإصلاح ليس مشروع حكومة فحسب، بل هو مشروع وطن بأكمله.
15/3/2026
محمد نوح الطالب فزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى