
يشهد العالم المعاصر اليوم تحولات عميقة تمس البنية السياسية والاقتصادية والأمنية للمجتمعات الإنسانية، حيث أفرزت العولمة، والتطورات التكنولوجية، والهجرات المتزايدة واقعا جديدا يجعل من الضروري تجديد الآليات التي تحكم العالم وتطبع سلوك الدول، فقد اتسعت الفجوة بين الواقعية والمثالية عند الحديث عن القانون الدولي مما يدفعنا إلى التساؤل التالي: هل القانون الدولي يعني مصالح الدول الأقوى في حالة السلم فقط.
ففي عهده صلى الله عليه وسلم وًُقعت أول معاهدة سلام بين الدولة الاسلامية في المدينة المنورة والدولة غير الاسلامية في مكة، وقد حرص الطرفان على أن تكون المعاهدة مفتوحة لينضم إليها كل من أراد ذلك من حلفائهما.
كان صلى الله عليه وسلم يواجه أقوى دولة في المنطقة يومها دينيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ووقع معها اتفاقية تضمنت بنودا مجحفة بالمسلمين، ومع ذلك نقضت قريش نفسها البنود والاتفاقية التي اعتقدت أنها نصرا كبيرا وركيزة أساسية للسلام. وبنقس المنطق تتصرف آمريكا اليوم متغطرسة تهدد حلفاءها والدول الإسلامية ضاربة بعرض الحائط كل الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وضعتها ورعتها يوم خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة.
اليوم تجد الدول الإسلامية نفسها في مواجهة طوفان من المتغيرات والتهديدات التي لا تمس كيان الدول فحسب بل تتجاوز ذلك إلى المساس بكرامة مواطنيها ومقدساتها الدينية، وفي مواجهة هذه الظروف لا تمتلك غير التشبث بالقانون الدولي الذي وضعته الدول القرشية المتفوقة عسكريا واقتصاديا في حالة السلام، فمن يكتب القانون الدولي ومن يطبقه ومن يحميه وهل يعتبر أحد أوجه الحوار الحضاري بين الشعوب وأي شعوب؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات يمكن أن نجدها في كتاب (القوانين والحضارات…. .. القانون الدولي تاريخه وفلسفته) كتاب مثير للجدل للمفكر الإيطالي جوستافو جوتسي يطرح أسئلة هامة حول قدرة القانون الدولي على تعزيز العدالة بدون أن يكون مجرد ذريعة للهيمنة الغربية. وعبر رحلة تاريخية وفلسفية تحليلية، يستعرض جوتسي كيف أن القانون الدولي، بجذوره الممتدة حتى العهد الروماني وآخذة في عين الاعتبار تطوراته المعاصرة، لا يخلو من نظرة استعلائية تجاه الحضارات غير الغربية، مما يعيد فتح النقاش حول صدام الحضارات وحقيقة تداخل القوانين العالمية. فهل يمكن أن يكون القانون الدولي أداة للعدالة أم وسيلة للهيمنة؟
إن التعريف المثالي يعتبر القانون الدولي أحد الركائز الأساسية التي تأسس عليها النظام الدولي المعاصر، إذ يشكل الإطار القانوني المنظم للعلاقات بين الدول وغيرها من أشخاص القانون الدولي. وقد نشأ هذا القانون استجابة لحاجة المجتمع الدولي إلى قواعد تؤسس للتواصل والتفاعل بين الشعوب وضبط سلوك الدول والحد من منطق القوة المطلقة، بما يسهم في تحقيق قدر من التوازن والاستقرار على الصعيد العالمي.
ويهدف القانون الدولي في جوهره إلى تنظيم العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين الدول، بشروط تمنع من تحوُّلِ الخلافات إلى نزاعات مسلّحة واسعة النطاق.
وفي العصر الحديث شكل ميثاق الأمم المتحدة (1945)، دعامة صلبة لمبدأ حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بعد أن أزهقت ملايين الأرواح، ويعد هذا الميثاق حجر الأساس في الحفاظ على التوازن العالمي، إذ يقيد سلوك الدول القوية ويمنح الدول الأضعف حماية قانونية، حتى وإن كانت هذه الحماية في كثير من الأحيان نظرية أكثر منها عملية.
لقد أكد الغرب أن الديمقراطية والاعلان العالي لحقوق الانسان 1948 يشكلان وجها للتحضر والاستقرار ونهضة الشعوب وانتمائها إلى العالم المتحضر ومع ذلك تثبت عن طريق سلوكها عكس ما تروج له.
يواجه القانون الدولي تحديات كبيرة تحد من قدرته على تحقيق توازن عالمي فعال. فازدواجية المعايير في تطبيق القواعد الدولية، خصوصًا من قبل الدول الكبرى، تضعف الثقة في عدالة النظام القانوني الدولي. كما أن غياب سلطة تنفيذية دولية قوية يجعل احترام القانون الدولي مرتبطا إلى حدٍ كبير بإرادة الدول ومصالحها السياسية، لا بالقانون ذاته. إن فكرة عدالة النظام العالمي القائم على القوانين الدولية زائفة ويتم تطبيقه بدرجات متفاوتة وكلما تعرضت مصالح الدول القوية للمضايقة تخلت عنه بكل بساطة.
إن كل ما نشهده اليوم من حراك وخرق للقانون الدولي يعود سببه إلى انزعاج الولايات المتحدة الأمريكية من ظهور الصين كقوة عظمى متجاوزة الدول الغربية التي لم تستطع متحدة أن تشكل قوة وازنة أمام الزحف الصيني في إفريقيا وآمريكا اللاتينية وآسيا. فبعد الحرب العالمية الثانية فرضت الولايات المتحدة الأمريكية على أوربا التي خرجت منهكة من الحرب الحماية عن طريف حلف شمال الأطلسي وساهمت في إعمار أوربا اقتصاديا حتى تضمن تبعيتها وبذلك ظلت أوربا قوة ناعمة نائمة مخدرة حتى تجاوزتها الصين وروسيا.
إن أي قراءة بسيطة في الظروف التي عقبت الحرب العالمية وأنتجت القانون الدولي والأمم المتحدة، تظهر جليا أن ضرورة توازن القوى وظهور قوتين كبيرتين على الساحة الدولية وضرورة ضبط سلوكهما دفعهما إلى وضع آلية مشتركة للتفاهم، فهل مازال الوضع على حاله أم أن ظروفا جديدة غيرت الواقع؟
إن هذا التساؤل يحيلنا مباشرة إلى موضوع مهم في القانون وغير شائع وهو سقوط القوانين (الزوال أو التقادم) ويعني الحالة التي يتوقف فيها القانون عن إنتاج آثاره القانونية، ليس لأنه ألغي رسميا، بل لأن الشروط التي كان يقوم عليها لم تعد موجودة أو لم يعد قابلا للتطبيق.
فهل يحتاج العالم اليوم إلى حرب عالمية جديدة لإعادة كتابة القانون الدولي؟
د/ المصطفى أفاتي

