
تشكل العلاقات الموريتانية–الجزائرية اليوم أحد أكثر محاور التعاون الإقليمي قابلية للتحول إلى رافعة استراتيجية، خصوصًا في ظل مقاربة براغماتية يقودها الوزير الأول المختار ولد اجاي، تقوم على “هندسة التكامل” بدل الاكتفاء بمنطق التنسيق التقليدي.
هذه الرؤية لا تنطلق من فراغ، بل من إدراك عميق لتحولات الإقليم في الساحل والمغرب العربي، ومن وعي بأن الشراكات الثنائية الذكية يمكن أن تعوض جزئيًا تعثر الأطر الجماعية.
أولًا: من التعاون إلى التكامل الوظيفي
الطرح الذي يتبناه ولد اجاي يتجاوز فكرة تبادل المصالح الظرفية إلى بناء تكامل وظيفي، حيث تُوزَّع الأدوار وفق المزايا النسبية لكل بلد:
موريتانيا بوابة بحرية وامتداد إفريقي مفتوح.
الجزائر قوة طاقوية وصناعية ذات عمق استراتيجي في شمال إفريقيا.
هذا التلاقي يخلق إمكانية لتشكيل محور اقتصادي–لوجستي قادر على خدمة منطقة الساحل برمتها.
ثانيًا: أولويات التكامل كما تفرضها الواقعية السياسية
البنية التحتية والربط البري
الطريق الرابط بين تندوف–الزويرات ليس مجرد مشروع طرق، بل شريان استراتيجي لإعادة تشكيل حركة التجارة، وتقليص كلفة النقل، وربط الداخل الإفريقي بالموانئ الموريتانية.
التكامل الطاقوي
يمكن للجزائر أن تكون شريكًا محوريًا في دعم أمن الطاقة في موريتانيا، سواء عبر تصدير الغاز أو الاستثمار في البنى التحتية، في مقابل فرص استثمارية واعدة في قطاع الغاز الموريتاني.
الأمن والاستقرار في الساحل
التكامل الأمني بين البلدين ليس خيارًا بل ضرورة، في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود. وهنا تبرز أهمية تبادل المعلومات وتنسيق الجهود ضمن رؤية استباقية.
التبادل التجاري والأسواق المشتركة
تحرير المبادلات، وإنشاء مناطق حرة حدودية، سيسمح بخلق ديناميكية اقتصادية محلية تعزز الاستقرار الاجتماعي في المناطق الحدودية.
الدبلوماسية الاقتصادية
رؤية ولد اجاي تعكس انتقالًا من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية، حيث تصبح السفارات أدوات لجلب الاستثمار وتوسيع الشراكات الإنتاجية.
ثالثًا: دلالات الدعم السياسي لهذا التوجه
هذا المسار يحظى بغطاء سياسي من أعلى مستوى، خاصة من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ما يمنحه الاستمرارية والقدرة على التنفيذ، ويبعث برسائل طمأنة للشريك الجزائري حول جدية نواكشوط.
رابعًا: التحديات وكيفية تحويلها إلى فرص
رغم وضوح الرؤية، تبقى هناك تحديات:
بطء التنفيذ الإداري.
ضعف البنية اللوجستية الحالية.
تعقيدات البيئة الإقليمية.
غير أن قوة مقاربة ولد اجاي تكمن في أنها لا تنكر هذه التحديات، بل تسعى إلى تفكيكها عبر مراحل، وبمنهج “المشاريع القابلة للإنجاز” بدل الشعارات الكبرى.
خلاصة تحليلية
إن “هندسة التكامل” التي يدفع بها المختار ولد اجاي تمثل نقلة نوعية في التفكير السياسي الموريتاني، إذ تنقل العلاقة مع الجزائر من مستوى المجاملة الدبلوماسية إلى مستوى الشراكة المنتجة.
وإذا ما أُحسن ترتيب الأولويات، وتوفرت الإرادة التنفيذية، فإن هذا المحور مرشح لأن يصبح أحد أعمدة الاستقرار والنمو في غرب وشمال إفريقيا، ونموذجًا لكيف يمكن للدول المتوسطة أن تصنع لنفسها مكانًا مؤثرًا في عالم متغير.

