
ليس من قبيل التعسف في التأويل ولا التضييق على حرية التعبير أن يُقال إن الحصانة البرلمانية وُجدت لحماية الوظيفة التشريعية لا لتكون ستارًا يُخفي خلفه خطاب التحريض أو يُمرَّر عبره خطاب الفتنة. فالأصل في هذه الحصانة أنها ضمانة لحرية الرأي داخل المؤسسة التشريعية، لا رخصة لتقويض أسس التعايش أو المساس بوحدة المجتمع.
إن النائب، بوصفه ممثلًا للإرادة الشعبية، مؤتمن على خطاب يجمع ولا يفرق، ويهدي ولا يُضل، ويُسهم في ترسيخ السكينة بدل زعزعتها. فإذا انقلب هذا الدور إلى منبر لبث الكراهية أو الدعوة الصريحة للفوضى والعنصرية، فإن الأمر لا يعود مجرد تجاوز فردي، بل يتحول إلى إخلال جوهري بالعقد المعنوي بين المنتخب وناخبيه.
والتمييز هنا دقيق لكنه حاسم: فحرية التعبير، وإن كانت ركنًا أصيلًا في أي نظام ديمقراطي، فإنها ليست مطلقة، بل تقف عند حدود النظام العام والقيم الجامعة التي تحمي المجتمع من الانقسام والتفكك. ومن ثم، فإن التذرع بالحصانة لتبرير خطاب يهدد السلم الأهلي هو في حقيقته إساءة لفلسفة الحصانة ذاتها، لا دفاع عنها.
إن الجمهورية، وهي الحريصة على التوازن بين الحريات والواجبات، لا يمكن أن تقبل بأن تتحول مؤسساتها إلى منصات لإثارة النعرات أو تقويض الانسجام الاجتماعي. بل إن صيانة السكينة العامة تقتضي مساءلة كل من يتجاوز هذه الحدود، أيا كان موقعه، وبالخصوص إذا كان من صُنّاع الكلمة وممثلي الشعب.
وعليه، فإن حماية الحصانة البرلمانية تقتضي في الوقت نفسه ضبط استخدامها، حتى تظل أداة لصون الديمقراطية لا معولًا لهدمها، وجسرًا للتعبير المسؤول لا منفذًا للفوضى المقنّعة.
الفتاش الإخباري

