Uncategorizedالاخبارالاقتصادالمواضيع الرئيسيةمقالات

موريتانيا بين تثبيت الاستقرار وتسريع التنميةالمختار ولد اجاي في قلب تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية

انواكشوط

موريتانيا بين تثبيت الاستقرار وتسريع التنميةالمختار ولد اجاي في قلب تنفيذ برنامج رئيس الجمهوري

تعيش موريتانيا اليوم مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة تثبيت للمكاسب، وتصحيح للاختلالات، وانتقال تدريجي من مرحلة إطلاق المشاريع إلى مرحلة ترسيخ السياسات والنتائج. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا تزال قائمة، فإن المشهد العام يكشف عن مسار تسعى الدولة من خلاله إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين أداء الإدارة، وترشيد المالية العمومية، وتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

وفي هذا السياق، يبرز دور الوزير الأول المهندس المختار ولد اجاي باعتباره المسؤول الأول عن تنسيق العمل الحكومي وتحويل التوجهات العامة لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى برامج وسياسات قابلة للتنفيذ والقياس.

اقتصاد يتقدم رغم صعوبة الظرف

لا يمكن قراءة الوضع الاقتصادي الموريتاني بمعزل عن الظروف الإقليمية والدولية. فالاقتصاد الوطني، بحكم اعتماده على قطاعات استخراجية وعلى الواردات، يتأثر بسرعة بتقلبات أسعار المواد الأولية والطاقة والغذاء، فضلاً عن تداعيات الأزمات الإقليمية والحرب في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، تشير المعطيات الرسمية والدولية إلى وجود عناصر إيجابية مهمة. فقد تراجع عجز المالية العامة من نحو 1.4% من الناتج المحلي في 2024 إلى 0.3% في 2025، كما تحسنت تعبئة الإيرادات، بينما تشير التوقعات إلى عودة النمو إلى مسار أقوى خلال 2026 وما بعدها. ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد بنحو 4.7% في 2026، مع إمكانية ارتفاع متوسط النمو إلى قرابة 5% خلال الفترة 2026-2029، مدفوعاً بانتعاش قطاعات الحديد والذهب، وارتفاع إنتاج الغاز، إضافة إلى الزراعة والصيد والإصلاحات الاقتصادية.

لكن الصورة لا تخلو من تحديات، وفي مقدمتها ارتفاع كلفة المعيشة والضغوط التضخمية. وقد سجل التضخم ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأولى من 2026، خصوصاً بفعل أسعار الغذاء، وهو ما يجعل حماية القدرة الشرائية للمواطن إحدى أهم القضايا التي ستحدد مدى شعور الناس بثمار النمو الاقتصادي.

إصلاح المالية العمومية: من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المؤسسات

من أهم التحولات الجارية السعي إلى بناء مالية عمومية أكثر انضباطاً وأقل اعتماداً على العائدات الاستخراجية.

وقد تبنت الدولة في 2026 قاعدة مالية جديدة تقوم على ضبط الرصيد الأولي غير الاستخراجي، في محاولة لإرساء انضباط مالي متوسط وطويل المدى، وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة المالية. كما تتجه البرمجة الميزانوية للأعوام 2027-2029 إلى رفع الإيرادات مع الحفاظ على التحكم في النفقات الجارية وزيادة الإنفاق الاستثماري.

وهنا تظهر أهمية الدور التنفيذي للوزير الأول المختار ولد اجاي؛ إذ إن نجاح هذه الإصلاحات لا يتوقف على إصدار القوانين والوثائق المالية، وإنما على قدرة الحكومة على ترجمة الانضباط المالي إلى إدارة أكثر كفاءة، ونفقات أكثر أولوية، ومشاريع أكثر تأثيراً على حياة المواطنين.

المختار ولد اجاي: إدارة البرنامج لا مجرد إعلان الالتزامات

من أبرز ما يميز المرحلة الحكومية الحالية محاولة الانتقال من الخطاب العام إلى منطق الالتزام والإنجاز والتقييم.

وقد أعلن الوزير الأول أن الحكومة حققت نسبة 92% من التزاماتها التي تعهدت بها أمام البرلمان خلال سنة 2025، وهو رقم يعكس رغبة واضحة في تقديم العمل الحكومي باعتباره حصيلة قابلة للقياس، لا مجرد وعود سياسية. وفي المقابل، فإن من حق الرأي العام والمعارضة أن يناقشا هذه الأرقام وأن يقارناها بالواقع المعيشي للمواطنين؛ فنجاح أي حكومة لا يقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة، وإنما أيضاً بمدى تأثيرها في حياة الناس.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للمختار ولد اجاي: أن يحول الكفاءة الإدارية إلى أثر اجتماعي محسوس، وأن يجعل سرعة التنفيذ متوازنة مع جودة الإنجاز وعدالته.

ربط العمل الحكومي ببرنامج رئيس الجمهورية

تعمل الحكومة في إطار التوجهات التي حددها رئيس الجمهورية ضمن برنامجه «طموحي للوطن»، مع ارتباطها بالإطار الوطني الأوسع للتنمية، وخاصة استراتيجية النمو المتسارع والرفاه المشترك.

وتظهر البرمجة المالية متوسطة المدى أن الحكومة تسعى إلى الجمع بين أربعة أهداف أساسية: الاستقرار المالي، وتحفيز النمو، وزيادة الاستثمار، وتعزيز الحماية الاجتماعية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الوزير الأول باعتباره حلقة الوصل التنفيذية بين الرؤية الرئاسية والجهاز الحكومي: ينسق القطاعات، يتابع تنفيذ التعهدات، ويعمل على معالجة الاختلالات التي قد تعيق تنفيذ البرنامج.

السياسة: تهدئة وانفتاح وتحصين للاستقرار

على المستوى السياسي، تبدو المحافظة على الاستقرار والتشاور من أبرز رهانات المرحلة.

وقد أكد الوزير الأول التزام الحكومة بالتهدئة والانفتاح والتشاور والحوار مع مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية، وهو توجه يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في تعزيز الاستقرار الداخلي، خصوصاً في مرحلة إقليمية مضطربة.

ولا يعني ذلك أن الساحة السياسية خالية من الخلافات. فالمعارضة تنتقد أداء الحكومة في ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية، كما أن النقاش حول الأسعار والضرائب والقدرة الشرائية والحكامة لا يزال حاضراً بقوة. لكن وجود الخلاف السياسي في حد ذاته لا ينبغي أن يتحول إلى عامل تعطيل لمسار الدولة، بل يمكن أن يكون جزءاً من عملية الرقابة والتصحيح إذا بقي في إطار المؤسسات والحوار.

التحدي الأكبر: أن يشعر المواطن بالتحسن

رغم المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، يبقى السؤال الأكثر أهمية بسيطاً: ماذا تغير في حياة المواطن؟

فالنمو الاقتصادي لا يكتمل معناه إذا لم يتحول إلى فرص عمل، وتحسين للخدمات، وتراجع في الفوارق، واستقرار في الأسعار، وتحسن في التعليم والصحة والبنية التحتية.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تضع أمام الوزير الأول وحكومته مسؤولية مضاعفة: المحافظة على الاستقرار المالي والاقتصادي من جهة، وتسريع وصول عوائد التنمية إلى المواطن من جهة أخرى.

حصيلة إيجابية تحتاج إلى مواصلة العمل

يمكن القول، بصورة متوازنة، إن موريتانيا تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لبناء مرحلة اقتصادية أكثر استقراراً، خصوصاً مع تنامي عائدات الغاز، وتوقعات تحسن إنتاج الحديد والذهب، واستمرار الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الزراعة والصيد، إلى جانب إصلاحات المالية العمومية.

لكن هذه الفرصة ليست ضمانة تلقائية للنجاح؛ فهي تحتاج إلى إدارة قوية، ومؤسسات فعالة، وشفافية، وترشيد للإنفاق، ومحاربة فعلية للهدر والفساد، وحرص مستمر على حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وفي هذا المسار، يبدو المختار ولد اجاي أمام مهمة تتجاوز إدارة حكومة عادية؛ فهو مطالب بأن يجعل البرنامج الرئاسي مشروعاً حكومياً متكاملاً، وأن يجعل الأرقام الحكومية نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.

وبذلك فإن نجاح المرحلة لن يقاس فقط بحجم المشاريع أو معدلات النمو، وإنما بقدرة الدولة على الانتقال من منطق الإنجاز الإداري إلى منطق الأثر الوطني؛ أي أن يصبح ما تنجزه الحكومة محسوساً في السوق، والمدرسة، والمستشفى، والطريق، والإدارة، وداخل الأسرة الموريتانية.

إن موريتانيا تمتلك اليوم مقومات مهمة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستقراراً، وما تحتاجه هو استمرار الإصلاح، وحسن إدارة الموارد، وتوسيع دائرة الاستفادة من ثمار النمو، وتحصين التوافق والاستقرار السياسي.

وفي قلب هذا المسار يقف الوزير الأول المختار ولد اجاي باعتباره أحد أهم المسؤولين عن تحويل الرؤية إلى تنفيذ، والطموح إلى برنامج، والبرنامج إلى حصيلة؛ وهي مسؤولية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه فرصة لتكريس نموذج حكومي يقوم على العمل، والمتابعة، والمساءلة، والنتائج.

احمد ابراهيم اطفيل

زر الذهاب إلى الأعلى