Uncategorizedالاخبارالاقتصادالمواضيع الرئيسيةمقالات

حين تتحول الملاحظات المدنية إلى إجراءات رسمية: الوزير الأول يفتح باب الشراكة في مكافحة الفساد.

انواكشوط

تكشف وثيقة استلام التقرير الموجه من منظمة الشفافية الشاملة إلى معالي الوزير الأول، المهندس المختار ولد اجاي، بشأن حادثة احتراق منشأتين كهربائيتين في نواكشوط، عن خطوة ذات دلالة مهمة في علاقة الجهاز التنفيذي بمنظمات المجتمع المدني، وعن استعداد رسمي للتعامل مع ما تطرحه الهيئات المدنية من ملاحظات وتقارير بقدر من الجدية والمسؤولية.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون التقرير لم يبقَ مجرد وثيقة متداولة في الفضاء العام، أو مادة للنقاش والجدل الإعلامي، بل تم استلامه وإحالته إلى الجهات المختصة وتشكيل لجنة للنظر في ما ورد فيه ومعالجته، وهو ما يعني أن الملاحظات والمعلومات التي تضمنها التقرير وجدت طريقها إلى المسار المؤسسي بدل أن تبقى خارج دوائر القرار.
ووفق المعطيات المتداولة بشأن هذه الخطوة، فإنها تأتي في سياق التوجيهات السامية لرئيس الجمهورية المتعلقة بتوسيع مشاركة المجتمع المدني وكل الفاعلين المعنيين بمكافحة الفساد، وتعزيز التعاون مع مؤسسات الرقابة والتفتيش، باعتبارها مؤسسات الدولة المختصة أصلاً بالتحقيق والتدقيق وتحديد المسؤوليات واتخاذ ما يلزم في ضوء نتائج أعمالها.
وهنا تحديداً ينبغي وضع الأمور في نصابها الصحيح.
فـمنظمات المجتمع المدني ليست بديلاً عن أجهزة الدولة الرقابية والتفتيشية، كما أن تقاريرها لا يفترض أن تحل محل التحقيقات الرسمية أو الأحكام القضائية؛ وإنما تكمن قيمتها في أنها قد تكشف اختلالات أو تقدم معطيات أو تثير أسئلة تستحق أن تتولاها المؤسسات المختصة بالتحقق والفحص والتدقيق.
ومن هذا المنظور، فإن إحالة تقرير منظمة الشفافية الشاملة إلى لجنة لدراسته لا ينبغي النظر إليها باعتبارها انتصاراً لطرف على طرف، ولا باعتبارها إدانة مسبقة لأي جهة، وإنما باعتبارها ممارسة مؤسسية سليمة تتيح للجهات المختصة التحقق من الوقائع وتحديد مكامن الخلل والمسؤوليات، إن وجدت، على أساس الأدلة والمعايير المهنية والقانونية.
الوزير الأول ومسؤولية تحويل التوجيهات إلى ممارسة
ولعل الجانب الأهم في هذه الواقعة هو أن قيمة الخطوة لا تكمن فقط في استلام التقرير، وإنما في التعامل معه وتحويله إلى ملف قابل للدراسة والمعالجة.
وهنا تبرز مسؤولية الوزير الأول المهندس المختار ولد اجاي، الذي يواجه، بحكم موقعه، مهمة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية وتحويل التوجيهات العامة إلى إجراءات وسياسات عملية داخل الجهاز الحكومي.
ومن الإنصاف القول إن الانفتاح على تقارير المجتمع المدني، واستقبالها وإحالتها إلى الجهات المعنية لدراستها، يمثلان جانباً من هذا الدور التنفيذي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تمس المال العام أو المرافق العمومية أو جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
فالوزير الأول لا يستطيع، ولا ينبغي له، أن يحل محل المفتشية أو أجهزة الرقابة أو القضاء، لكنه يستطيع أن يضمن أن المعلومة التي تصل إلى الحكومة لا تُهمل، وأن الادعاء الجدي لا يُدفن، وأن الملف الذي يستحق التدقيق يجد طريقه إلى المؤسسة المختصة.
وهذه في حد ذاتها ممارسة تستحق التثمين.
بين النقد المشروع والتقليل غير المنصف
ومن المؤسف أن بعض الأصوات اختارت التعامل مع هذه الخطوة من زاوية سلبية، وحاولت التقليل من قيمتها أو استخدامها للنيل من أداء الوزير الأول، بدل وضعها في سياقها المؤسسي الصحيح.
والحقيقة أن النقد حق مشروع، بل هو ضرورة في الحياة العامة، لكن النقد يصبح أكثر إنصافاً وفائدة حين يميز بين ما ينبغي انتقاده وما ينبغي تثمينه.
فإذا كان المطلوب هو أن تتفاعل الحكومة مع منظمات المجتمع المدني، وأن تستمع إلى تقاريرها، وأن تحيل ما يستحق الدراسة إلى المؤسسات المختصة، فإن حصول ذلك فعلاً لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للهجوم على الحكومة أو على الوزير الأول.
بل العكس هو الصحيح: ينبغي تشجيع مثل هذه الممارسات حتى تصبح قاعدة مؤسسية مستقرة لا مبادرة استثنائية.
وإذا كانت هناك ملاحظات على التقرير نفسه، أو على آليات التعامل معه، أو على تركيبة اللجنة أو نتائج أعمالها، فإن المجال مفتوح لطرحها ومناقشتها ومساءلة الجهات المعنية عنها. أما تحويل مجرد استقبال تقرير وإحالته للدراسة إلى دليل على السلبية، فذلك يضع النقد في غير موضعه.
المطلوب الآن: النتيجة لا الاكتفاء بالإحالة
ومع تثمين هذه الخطوة، فإن قيمتها الحقيقية ستتأكد أكثر عندما تظهر نتائج عمل اللجنة المشكلة لدراسة التقرير.
فالمطلوب ليس فقط استقبال التقارير، وإنما فحصها والتحقق من معطياتها، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وتحديد مكامن الخلل، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة على ضوء ما تثبته التحقيقات.
وإذا انتهت الدراسة إلى عدم صحة بعض المعطيات، فمن المهم توضيح ذلك للرأي العام؛ وإذا أثبتت وجود اختلالات أو تقصير، فينبغي تحديد المسؤوليات ومعالجة الخلل وفق القانون؛ وإذا كشفت عن شبهات تستوجب إحالة الملف إلى جهات أخرى، فينبغي أن تسلك الإجراءات القانونية مسارها الطبيعي.
وبذلك تتحول الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني من مجرد شعارات إلى آلية عملية للوقاية من الفساد وكشف الاختلالات وتحسين أداء المرافق العمومية.
خطوة تستحق التشجيع
إن تجربة منظمة الشفافية الشاملة، بصرف النظر عن الموقف من بعض تقاريرها أو منهجيتها، تطرح مبدأ مهماً: أن المجتمع المدني يمكن أن يكون مصدراً للمعلومة والتنبيه وكشف مواطن الخلل، بينما تبقى للدولة مؤسساتها المختصة التي تتولى التحقيق والتدقيق وتحديد المسؤوليات.
وما حدث مع هذا التقرير يقدم نموذجاً يمكن البناء عليه، إذا ما جرى تطويره وترسيخه في إطار مؤسسي واضح، يحفظ استقلالية أجهزة الرقابة، ويضمن حق المجتمع المدني في التنبيه، ويمنع في الوقت نفسه تحويل التقارير غير المحققة إلى أحكام مسبقة.
ومن هنا، فإن التعامل الرسمي مع تقرير منظمة الشفافية الشاملة، واستلامه وإحالته للدراسة وتشكيل لجنة بشأنه، يستحق التثمين باعتباره مؤشراً إيجابياً على قابلية الجهاز التنفيذي للاستماع والتفاعل والانفتاح على الفاعلين المدنيين.
والإنصاف يقتضي أن يُنسب الفضل إلى أهله: فكما تُنتقد الحكومة حين تقصر، ينبغي أن تُثمَّن خطواتها الإيجابية حين تقع؛ وكما يُشجَّع المجتمع المدني على كشف الاختلالات، ينبغي تشجيع الدولة حين تفتح أمام تلك التقارير طريقها إلى المؤسسات المختصة.
فالهدف في النهاية ليس تسجيل النقاط السياسية، ولا انتصار طرف على آخر، وإنما حماية المال العام، وتحسين أداء مؤسسات الدولة، وكشف الفساد ومكافحته، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
وفي هذا السياق، فإن ما قام به الوزير الأول المهندس المختار ولد اجاي يستحق الإشادة والتقدير، لا باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي أن تتبعها خطوات أخرى أكثر عمقاً ووضوحاً، حتى تتحول توجيهات القيادة السياسية بشأن إشراك المجتمع المدني وتعزيز الرقابة إلى ممارسة مؤسسية راسخة وفاعلة.
المدير : احمد ابراهيم اطفيل

زر الذهاب إلى الأعلى