
رغم الجهود الكبيرة والاستثمارات الضخمة التي تبذلها الدولة في إنشاء وتأهيل شبكات الطرق داخل المدن، وما تمثله هذه الطرق من أهمية بالغة باعتبارها مظهراً من مظاهر التحضر ووسيلة أساسية لضمان انسيابية حركة المرور وسلامة المواطنين، فإن غياب التنسيق بين مختلف الجهات الفنية المعنية بالخدمات يظل تحدياً واضحاً يؤثر على جودة هذه المشاريع واستدامتها.
فما إن تنتهي الأشغال في طريق حضري جديد، حتى تبدأ عمليات الحفر وقطع الطريق من جديد من طرف جهات مختلفة، بهدف تنفيذ توصيلات أو إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات وغيرها من الخدمات.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: أين كان التنسيق قبل تنفيذ الطريق؟
ليس من المنطقي أن تنفق الدولة مبالغ كبيرة على تعبيد شارع وتأهيله، ثم يُعاد حفره بعد فترة قصيرة من طرف مؤسسة أو شركة لتنفيذ شبكة كان من الممكن برمجتها مسبقاً قبل إنجاز الطريق.
المشكلة لا تتعلق فقط بالمظهر الحضاري للمدينة، وإنما لها انعكاسات مباشرة على حركة المرور وسلامة المواطنين، فضلاً عن إتلاف الطرق الجديدة، وارتفاع تكاليف الصيانة، وإهدار جزء من الأموال العامة التي أنفقت على إنجازها.
الحل يبدأ بالتنسيق المسبق
الحاجة اليوم تفرض اعتماد آلية واضحة للتنسيق بين جميع المتدخلين في البنية التحتية الحضرية: المياه، الصرف الصحي، الكهرباء، شركات الاتصالات، والجهات المكلفة بالطرق والأشغال العمومية والبلديات.
ومن الضروري، قبل الشروع في تعبيد أي محور أو شارع، التأكد من اكتمال جميع الشبكات والخدمات التي يُفترض أن تمر تحته أو بمحاذاته، ووضع مخطط موحد للأشغال المستقبلية.
كما يمكن اعتماد قاعدة بسيطة وفعالة: لا حفر لطريق حديث الإنشاء إلا في الحالات الاستثنائية والضرورية، وبترخيص وتنسيق مسبق.
وفي حال فرضت الضرورة التدخل، ينبغي إلزام الجهة المتدخلة بإعادة الطريق إلى حالته الأصلية وفق معايير فنية محددة، مع مراقبة جودة الأشغال بعد الردم وإعادة التعبيد.
إن تطوير المدن لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تم تعبيدها، وإنما أيضاً بمدى المحافظة عليها وحسن استغلال الاستثمارات التي أنفقت عليها.

