
أصبح من المشروع طرح سؤال واضح أمام التهالك المتواصل لبعض البنى التحتية التي لم يمض على إنجازها وقت طويل: من يتحمل مسؤولية تدهورها؟ هل هي الشركة المنفذة؟ أم مكتب الدراسات؟ أم مكتب الرقابة والمتابعة؟ أم أن الخلل يعود إلى الدراسة والتصميم منذ البداية؟
المؤكد في كل الحالات أن النتيجة واحدة: هدر للمال العام وضياع للاستثمار العمومي، وإعادة إنفاق مبالغ كان من المفترض أن تذهب إلى مشاريع جديدة بدل إصلاح منشآت حديثة.
لكن تحديد المسؤولية يتطلب أولاً تحديد مصدر الخلل.
فإذا كانت الدراسة والتصميم غير ملائمين لطبيعة التربة، أو لحجم حركة المرور، أو للأوزان والأحمال المتوقعة، فإن المسؤولية لا يمكن أن تقع على عاتق المقاول وحده.
وإذا كانت المواصفات الفنية صحيحة، لكن التنفيذ لم يحترمها، أو استُعملت مواد دون المستوى المطلوب، أو لم تُنفذ مراحل الأشغال وفق المعايير، فإن مسؤولية الشركة المنفذة تصبح أمراً أساسياً يجب التحقق منه.
أما إذا كانت الأشغال تتم أمام مكتب رقابة ومتابعة يفترض أن يتحقق من جودة المواد ومطابقة الأشغال للمواصفات، ثم تظهر العيوب بعد فترة قصيرة، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال حول مدى فعالية هذه الرقابة: هل كانت رقابة حقيقية وميدانية، أم مجرد إجراءات إدارية وملفات وتقارير؟
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو العقد والصفقة نفسها. فكثيراً ما قد تستند الشركات إلى بنود العقد لتبرير مواقفها، بينما تكون الجهة المالكة قد قبلت مواصفات أو آجالاً أو شروطاً لا تضمن بالقدر الكافي جودة المنشأة واستدامتها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من نلوم؟ بل:
من صمم؟ ومن درس؟ ومن صادق؟ ومن نفذ؟ ومن راقب؟ ومن استلم؟ ومن ضمن جودة المنشأة بعد إنجازها؟
وهنا تبرز ضرورة مراجعة أداء مكاتب الدراسات والرقابة أيضاً. فوجود مكتب دراسات أو مكتب رقابة لا يعني تلقائياً أن الكفاءة مضمونة؛ بل ينبغي أن تكون هناك معايير واضحة للاعتماد، ومسؤولية مهنية محددة، وآليات لمحاسبة كل طرف إذا ثبت تقصيره.
كما ينبغي ألا تتحول ضمانات الصفقات والعقود إلى مجرد نصوص لا يتم تفعيلها عند ظهور عيوب مبكرة. فإذا ثبت أن منشأة حديثة تعرضت لتلف ناتج عن سوء تنفيذ أو مواد غير مطابقة أو خلل في التصميم، فمن حق المال العام أن يستفيد من الضمانات والإجراءات القانونية المتاحة لإصلاح الخلل وتحميل المسؤولية للجهة المتسببة فيه.
إن حماية البنية التحتية لا تبدأ بعد ظهور الحفر والتشققات والانهيارات، وإنما تبدأ من الدراسة، ثم التصميم، ثم اختيار المقاول، ثم مراقبة التنفيذ، ثم الاستلام، وأخيراً المتابعة خلال فترة الضمان والاستغلال.
والحل ليس فقط في إصلاح الطريق بعد تهالكه، وإنما في إنشاء سلسلة مسؤولية واضحة تجعل كل طرف مسؤولاً عن الجزء الذي أوكل إليه، مع توثيق مراحل المشروع وإجراء اختبارات فنية مستقلة عند ظهور عيوب مبكرة.
فالمواطن لا يعنيه في النهاية ما إذا كان سبب الخلل هو الدراسة أو الرقابة أو التنفيذ؛ ما يعنيه أن المال العام قد أُنفق، والطريق أو المنشأة يفترض أن تخدمه لسنوات، لا أن تعود إلى الورش بعد فترة قصيرة من إنجازها.
ومن هنا، فإن فتح نقاش مهني حول كفاءة مكاتب الدراسات، وفعالية مكاتب الرقابة، وجودة التنفيذ، وشروط الصفقات، وآليات الضمان والمساءلة أصبح ضرورياً، ليس بهدف التشهير بأي جهة، وإنما بهدف حماية المال العام ورفع جودة المشاريع وضمان استدامة الاستثمارات العمومية.
الفتاش الاخباري

