الاخبارالمواضيع الرئيسية

اصنيبه محمد/ لا، مالي لا تهدد موريتانيا: كفى أوهامًا تُؤجّج المخاطر

في زمن تتكاثر فيه الهواجس وتشتد فيه التوترات
الإقليمية، تطفو إلى السطح مقولات لا تستند إلى واقع، بقدر ما تتغذى على الخوف وتعيد إنتاجه. ومن بين هذه المقولات الزاعمة أن مالي تضمر نيات توسعية تجاه موريتانيا. وهي دعوى لا يسندها دليل، ولا يعززها منطق، بل تندرج ضمن خطاب تهويلي يخلط بين التحليل والتخمين.
إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن مالي اليوم منشغلة بتحديات داخلية عميقة، تتعلق بأمنها واستقرارها ووحدة ترابها. فهي تخوض معركة معقدة لاستعادة سيادتها الكاملة، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة. فكيف يُعقل، والحال هذه، أن تفكر في فتح جبهة خارجية مع دولة جارة مستقرة؟ إن مثل هذا الطرح لا يرقى إلى مستوى الجدية، بل يعكس قراءة متسرعة ومجتزأة للواقع.
ولعل الأخطر من هذه الادعاءات ليس مضمونها فحسب، بل آثارها. إذ إنها تسهم في تغذية مناخ من الريبة، وتفتح الباب أمام تصورات صدامية لا ضرورة لها. فبدل تهدئة الأجواء، يجري الدفع نحو تأزيمها، وبدل تعزيز الثقة، يُعاد إنتاج الشكوك. وهكذا تتحول المخاوف المصطنعة إلى عوامل توتر حقيقية.
أما موريتانيا، فإنها ليست في موقع ضعف كما قد يتوهم البعض. لقد راكمت، عبر السنوات، خبرة أمنية معتبرة، وبنت منظومة دفاعية متماسكة، قادرة على حماية حدودها وصون سيادتها. كما أنها تتمتع بهامش مهم من الاستقرار المؤسسي، في محيط إقليمي مضطرب. وهذه المعطيات تجعل أي حديث عن اختلال في ميزان القوى حديثًا غير دقيق.
غير أن ما يميز موريتانيا حقًا ليس فقط قدرتها على الردع، بل حكمتها في إدارة الأزمات. فقد اختارت، عن وعي، طريق التعقل وتفادي التصعيد، إيمانًا منها بأن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بالمغامرات، بل بالحوار وضبط النفس. وهذا الخيار ليس ضعفًا، بل تعبير عن نضج سياسي ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
ثم إن العلاقة بين موريتانيا ومالي ليست علاقة عابرة، بل هي علاقة ضاربة في التاريخ، نسجتها الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين الشعبين. وإن أي محاولة لتصويرها في قالب صراعي إنما هي تبسيط مخلّ، وتجاهل لحقائق الجغرافيا والتاريخ.
وعليه، فإن التلويح بخطر تمدد مالي نحو موريتانيا ليس سوى خطاب يفتقر إلى المسؤولية، ويهدد بإرباك توازنات دقيقة. إنه، ببساطة، لعب بالنار في منطقة لا تحتمل مزيدًا من التوتر.
نعم لليقظة، ولكن لا للتهويل.
نعم للحذر، ولكن لا للارتياب المرضي.
فموريتانيا، وهي تدرك حجم التحديات، تعرف أيضًا أنها ليست في وارد حرب، ولا في حاجة إلى الخوف منها.
اصنيبه محمد
صحفي سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى