Uncategorizedالاخبارالاقتصادالمواضيع الرئيسيةمقالات

حين يحارب الانجاز من داخل الفريق

انواكشوط

حين يُحارَب الإنجاز من داخل الفريق

منذ بعض الوقت، تستعر حملة شرسة تستهدف الوزير الأول المهندس المختار ولد اجاي، وهي حملة لا يلفت الانتباه فيها مجرد حدّتها، بقدر ما يلفت الانتباه مصدرها وطريقة إدارتها. فحين تأتي سهام التشويش من خارج دائرة الحكم، يمكن تفسيرها بالخلاف السياسي أو بتباين المواقف والمصالح؛ أما حين يبدو أن بعض تلك السهام يأتي من داخل الدائرة نفسها، ومن أشخاص محسوبين على النظام، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا، وتستحق قراءة تتجاوز ظاهر الحملة إلى ما وراءها.

والأخطر في مثل هذه الحملات أنها لا تستهدف شخص الوزير الأول وحده، وإنما قد تُضعف، من حيث تقصد أو لا تقصد، الجهد الحكومي برمته، وتربك مسار تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية وتعهداته للموريتانيين. فالوزير الأول، في نهاية المطاف، ليس مشروعًا سياسيًا منفصلًا عن مشروع الرئيس؛ وإنما هو أحد أهم أدوات تحويل ذلك المشروع من تعهدات وخطط إلى سياسات وقرارات ومشاريع وأعمال تُنجز على الأرض.

ومن هنا تبدو المفارقة صارخة: أن يُحارَب رجلٌ لأنه يعمل، أو أن يُشوَّش على مسؤول لأن أداءه بدأ يفرض إيقاعًا أكثر انتظامًا على العمل الحكومي. والأشد غرابة أن يحدث ذلك من داخل الفريق الذي يفترض أن تتكامل جهوده لإنجاح المسار نفسه.

لقد اختار الوزير الأول، في مواجهة هذه الحملة، طريقًا مختلفًا تمامًا عن طريق خصومه. لم يدخل في سجال يومي، ولم يحوّل المنصب إلى منبر للردود، ولم يجعل من كل استهداف مناسبة لمعركة إعلامية. كان بإمكانه، بحكم موقعه ومعرفته بتفاصيل المشهد، أن يرد وأن يفنّد وأن يكشف الكثير مما يُقال ويُدار، لكنه اختار أن يجيب بالفعل لا بالقول، وبالإنجاز لا بالضجيج، وبالعمل المتواصل لا بالمنازلات الجانبية.

وهذا في تقديري ليس ضعفًا ولا عجزًا عن المواجهة، بل هو نوع من القوة الهادئة التي يعرفها رجال الدولة حين يدركون أن الوقت الذي يُهدر في معارك الهامش هو جزء من الوقت الذي ينبغي أن يُستثمر في خدمة الدولة.

لقد انصرف الرجل إلى مهمته الأساسية: تنسيق العمل الحكومي، متابعة تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، دفع القطاعات إلى الإنجاز، وتحويل الالتزامات المعلنة إلى برامج قابلة للقياس والمتابعة. وفي بلد يحتاج إلى كثير من العمل وقليل من الاستعراض، فإن قيمة المسؤول لا تُقاس بعدد تصريحاته ولا بقدرته على صناعة المعارك، وإنما بما يتركه وراءه من مؤسسات تعمل، ومشاريع تُنجز، وقرارات تُنفذ، وإدارة أكثر انضباطًا وفاعلية.

ولذلك فإن الدفاع عن جهد الوزير الأول لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع شخصي عن رجل، بقدر ما ينبغي أن يكون دفاعًا عن مبدأ بسيط: لا ينبغي أن يصبح نجاح المسؤول في تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية سببًا لمعاقبته سياسيًا أو إعلاميًا من داخل المنظومة نفسها.

وإذا كان ثمة اختلاف في الرؤى أو تقييم للأداء، فمكانه المؤسسات، وأداته النقد المسؤول، وهدفه تصحيح المسار؛ أما أن تتحول المنافسة داخل دوائر الحكم إلى حملات تستنزف طاقة الدولة وتشوّش على العاملين فيها، فذلك يضر بالمشروع الذي يُفترض أن يجمع الجميع.

إن الوزير الأول المختار ولد اجاي، بما أظهره من قدرة على التنظيم والمتابعة والإصرار على التنفيذ، يستحق أن يُقاس بما أنجزه وما يستطيع إنجازه، لا بما يُقال عنه في حملات التشويه. وربما كان أفضل رد على تلك الحملات هو أن يواصل الرجل ما بدأه: أن يعمل أكثر، وأن يتحدث أقل، وأن يترك للنتائج مهمة الدفاع عنه.

فالدولة لا تحتاج اليوم إلى مسؤولين يتنافسون في صناعة الضجيج، وإنما إلى رجال يتنافسون في صناعة الإنجاز. وإذا كان الرئيس قد اختار فريقًا لتنفيذ برنامجه، فإن من أبسط مقتضيات الانسجام داخل ذلك الفريق أن يُدعَم من ينجز، وأن يُقوَّم من يقصر، وأن تُحسم الخلافات داخل المؤسسات لا عبر الحملات الخفية.

وفي النهاية، سيبقى الحكم الأعدل هو حكم النتائج. فالحملات تنتهي، والضجيج يخفت، والخصومات العابرة تُنسى؛ أما ما يُنجز للدولة فيبقى شاهدًا على أصحابه.

ولهذا، فإن تجاهل الوزير الأول لحملة الاستهداف، وإصراره على مواصلة العمل، قد يكون هو الرد الأكثر قوة وبلاغة: أن يترك للذين يهاجمونه الكلام، ويترك لنفسه العمل، ثم يترك للزمن والنتائج مهمة الفصل بين الاثنين.

احمد ابراهيم اطفيل

زر الذهاب إلى الأعلى