مقالات

إفطار مع الرئيس/ حبيب الله أحمد

رن هاتفى فجأة وظهر على شاشته رقم غير مألوف لدي
فهمت أنه رقم من أرقام خواص الخواص حيث تكثر الأصفار ويتكرر نفس الرقم بتناسق واصطفاف أنيق
على الطرف الآخر جاءنى صوت نصف مبحوح عرفت أيضا أنه من أصوات علية القوم إذ لنبرة الصوت انقباض وانبساط مموسقان بعناية فائقة
بدون مقدمات اخبرنى صاحب الصوت أنه سعيد بأن البي دعوة إفطار فى القصر الرئاسي وعلي الحضور حدود السادسة والنصف
لم يمنحنى فرصة لأسأله فأنا بحاجة لأن أعرف مناسبة دعوة الرئاسة وعلى أي معيار ومع أية فئة من فئات الشعب
فكرت فى أن فئات “شباب الحزب الحاكم” و”ذوى الاحتياجات الخاصة” و”محظوظى تآزر” وطواقم” الامتياز” أفطرت كلها مع الرئيس و”الصحفيون” افطروا مع ناطق الحكومة
ولم اكن معنيا بكل تلك الفئات
قلت لعله إفطار خاص ب” هششاء” قطاع الصحة
أو ” لغف سيل” المدونين
ولربما هي لفتة من الرئاسة إلى قدماء” كبة سيزيم”
على كل حال إن كانت هذه الدعوة حلما فهي المرة الثانية التى سأدخل فيها القصر وأنا نائم إذ سبق لى أن دخلته لإجراء مقابلة “حالمة” مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز
وإن كانت الدعوة واقعية فسأدخل القصر لأول مرة
تفصلنى ثلاث ساعات فقط عن التوجه إلى القصر
هل تكفى للبحث عن لبسة من “‘ازبى” معطرة
أم أنه علي البحث عن” كوستيم” مدنية مناسبة
لابد من المرور ب” الحلاق”
أيضا و” الحمام” لم لا
كان الوقت يمر بسرعة
أكملت بعض الترتيبات ولكن بقيت مشكلة السيارة
سيارتى “كلائطية” لاتليق بالقصر وحدائقه وال” جو”
لا آمن أن ” تتقرع” أو ” تكليكى” أو تأتيها نوبة ” غازات دخانية”  لاشفاء لها
يمكننى الذهاب بسيارة أحد الأصدقاء تفاديا ل” العار”
لا مشكلة سيعتقدون أنها سيارتى وفى أقسى الاحتمالات لن ادفع ثمن تزوير الحقائق فأنا فى ” القصر الرمادى”
أكلت الدقائق نفسها بسرعة لأجد نفسى وجها لوجه مع الرئيس فى حديقة القصر دون حرس دون بروتكول دون أية مظاهر رسمية
صافحنى بحرارة ثم اصطحبنى إلى خيمة مطعم  تحوى طيبات الرزق
تفصلنا ساعة عن أذان المغرب
دعانى بلطف للجلوس معه فى غرفة مكتب غير بعيد من” اكورار” خيمة المأدبة”
ارتبكت طبعا فلأول مرة أجد نفسى جالسا مع رئيس الجمهورية مباشرة
توجست خيفة فالرئيس وحيد بدون حراسة ولايوجد أحد فى حديقة القصر ولاخيمة “المقصف”
هل الدعوة خاصة بى وحدى
أين بقية المدعوين
هل يعقل أن كل ذلك المطعم مخصص لى وصاحب الفخامة وحدنا
هل هذه فرصة ذهبية ل” أبشمركى” على الرئيس ”
أطلب منه “سيارة” أو “قطعة أرضية”
أطلب منه “حجة” على نفقة الدولة
اكتب له رقم ” بنكيلى ” على ورقة صغيرة وأترك ذلك لفهمه
ولكن هل سيصدق الرئيس أن 30عاما من التمريض و” الصحافة” صاحبها لايملك “سيارة” ولا”قطعة أرض”
هل سيصدق أن من يخصص جزء من صفحته لجمع الأدوية والعكازات والاسرة والمقاعد الطبية يبحث عن “سيارة” أو “قطعة ارض” أو “حجة” والناس بنت من جمع التبرعات منازل واسست “مطاعم” و”منتجعات” و”شركات نقل” وحجت واعتمرت عشرات المرات
وحتى لوصدقنى الرئيس وأمر لى ب”100درهم” فهل لدي شخصية لأطلب منه شيئا
أين ال'” كاريزما” التى تخولنى سرد تلك المطالب  مباشرة على الرئيس
انتبهت من خواطرى على فخامته
( حبيب الله أنت شماسى
اشحال طب القلب والتدوين
“اشطارى” شخلك الها؟)
تلعثمت قليلا وانا اجمع عبارات الإجابة
( ماشالله الأمور تمام
” اشطارى” مذالها بركت لوضاع ماهى سهل )
لم أعرف هل ضحك الرئيس أم لأ فملامح الرؤساء تهرب من إظهار شعورهم
( حبيب الله أنت من المعارضة والل من نحن أهل لغلبيه
صراحة ماافهمناك
مرة انشكو عنك من الموالاة ومرة نحلفو عنك معارض)
سؤال مفاجئ مباشر موجه ومن المسافة 0
حاولت أن اجيب ولكن أذان المغرب قطع ” المحادثات الثنائية”
سار الرئيس أمامى بهدوء وتواضع
جلسنا إلى المائدة وأنا افكر
” كيف ولماذا استدعانى الرئيس
و لماذا انفرد بى ولم يستدع معى أحدا ”
كنت أحدث نفسى بتلك الأسئلة بينما كانت بطنى تحدثنى
” هناك 73نوعا من الاطعمة والأغذية تشاهدها لأول مرة
عليك فقط أن لاتحرجنى وعليك بما عودتنى عليه
ثلاث تمرات و”جغمة” ماء وكأس حساء وكأس شاي
لاتحرجنى بالبطبوط والحريرة والسمبوسة ونحو ذلك ”
كان فخامته يفطر بديبلوماسية لافتة
الرؤساء ليسوا مثلنا
لديهم طرق خاصة ل” الأكل ”
كأنهم مخلوقات” فضائية ”
يتحدثون بلطف يصافحون بنعومة ويلبسون بأناقة
لا يمكن تصور المسافة بين شخص تربى فى” كبة مندر” وبين رئيس جمهورية
أحيانا اتمنى دخول دماغ فخامته ولو لدقائق
كيف يفكر
هل يعرف مشاكل الأسعار والنقل والصحة والكهرباء والماء والتعليم
هل جرب السير حافيا من ” الكبة ” إلى ” لكول ديس ”
هل راجع دروسه ليلة على ضوء” لمبه” كريهة الرائحة
هل اضطر ليلة بعد نفاد” السندل” أن ينقع قطعة فحم فى بقاياه لتضيئ له
هل ” ابريلا” يوما فى “سينما” أم دخلها ب” اتراكت”
هل يعرف” كضه” و” امبراكه” و” تجمخت المبلوله”
هل ” نباه” يوما أحد أصدقائه فى الطفولة و” مصكاه”
هل يفهم ” انغاش” و” سمارى”
هل ردد يوما ببراءة
“دق الجرس حان الوقت اسمعو اوه ”
هل كان يوما عضوا فى ” فرقة الكناسه”
هل وقف يوما على” ركبتيه”
هل تجول وهو صغير  وقت السحر فى أزقة حيه ولديه ” جركان” يضربه بعصا صغيرة مرددا بحماس ” صحروا ياعباد الله”
الحقيقة أن الرؤساء نوع مختلف من البشر
هل رأيتم رئيسا ” يكبب” قنينة غاز ليملأها
هل رايتم رئيسا ” يبرجى” كزوال بعد أن تعطل ” ابمب الليمانتاسيوه”
هل رايتم رئيسا ” يشير” على سيارة أجرة فى يوم” فائظ”
هل رأيتم رئيسا “يركب” أكمام دراعته عند خياط فى زقاق قصي بائس
يخيل إلي أن التجول فى دماغ رئيس دولة له نفس متعة صعود قمة” إيفريست ” بمنطاد طيار
هل الرئيس ” يفورماتى” نفسه عند تسلمه المنصب فينسى الشمس والغبار والعرق والخبز ليبدأ حياة ” مخملية” جديدة
مددت يدى إلى “طاصة” أمام الرئيس بها تمر و” قشطة” وحساء
رجعت يدى بسرعة إلى مقود” لكلاطه” فيبدو أن طريق ” افاركو” فتحت بعد ساعتين من الزحمة فى جو حار تتساوى فيه أحلام النوم مع أحلام اليقظة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى